Friday, October 09, 2026

وكلنا إنسان.. كلب .. محاصر.. متهان

عندي واحد صاحبي من اللي مش دولجية لكن بيحترموهم كان رأيه إن هالة زايد أدرات أزمة كورونا بمقدرة وإن الطريقة اللي أدرات بيها وزارة الصحة -والحكومة والنظام طبعا- الأزمة وقتها كانت أفضل ما يمكن فعله، ودليله على نجاحهم ه إن عدد الضحايا عندنا ماتفاقمش لأرقام خيالية زي أمريكا مقلا، وكمان فضلت أغلب مستشفياتنا شغالة والنظام الصحي فضل مستمر من غير انهيار عنيف زي ما حصل في بعض الدول التانية.. وجزء من الإدارة الصحيحة دي في رأيه كان هو الكذب على المواطنين وإخفاء الأرقام الحقيقية عشان مايحصلش ذعر عام والناس تهجم على المستشفيات فيحصل ضغط يسارع بالانهيار يعني..

أصحاب الكلام الفارغ ده عادة مابيفرقش معاهم عدد الضحايا فعلا.. وحتى المنطق المغلوط اللي بيتكلموا بيه، بيبقى مبني على افتراضات واهية مابنتصمدش لأي مناقشة موضوعية تكون مبنية على حقائق أو أرقام، وده لأن أصلا مفيش أرقام معلنة ولا واضحة ولا أكيدة.. فبيبقى عادة حوار طرشان لو اتحاورت أصلا..

بس النقطة المهمة بالنسبة لي والل باشوف معاها وبسببها الوزيرة دي واللي زيها مجرمين فعلا، هي مدى التقدير الحقيقي للحياة البشرية.. لا الوزيرة ولا النظام ولا صاحبي ده يفرق معاهم أي حد من الضحايا الله يرحمهم، ومش فارق مين مات نتيجة إهمال حقيقي أو تقصير ومين اللي مات بالرغم من إنه حصل على كافة سبل الرعاية المتاحة.

رئيس الوزراء لما طلع اتكلم وجنبه وزيرة الصحة في مؤتمر صحفي وقتها، طلع يتكلم إن السبب في تصاعد الوفيات -لما اضطروا يعترفوا في وقت من الأوقات بعد ما الموضوع بقى ماينفعش يتطرمخ عليه أكتر من كده- هو إن الأطباء بيغيبوا عن المستشفيات.. الحضور والانصراف يعني!

لكن توفير الأدوية وأدوات الحماية والتعقيم والمستلزمات والنقص الشديد في مكافحة العدوى واللي أدى لإصابات متكررة بين أفراد الأطقم الطبية وقتها ووفاة عدد مش قليل منهم ما بين أطباء وتمريض وتخصصات تانية، كل ده مش موجود ومش سبب ومش حقيقي.. الحكومة مابتغلطش.. المواطنين بيغلطوا.. الأطباء بيغيبوا.. فالناس اللي بتموت مسؤولة عن موتهم، والله يرحمهم بقى ، والحمد لله احنا أحسن من غيرنا ودي إمكانياتنا وخلاص..

وده ليه؟

لأن حياة مواطن واحد مش فارقة في حد ذاتها، عشان يفرق موت 100 أو 1000 أو مليون تانيين..

أعداد الوفيات الرسمية بسبب كورونا ومضاعفاته أقل بكتييييييييييييييييييير من الزيادة اللي حصلت في أعداد الوفيات في نفس سنة كورونا عن نفس الفترة الزمنية في السنة اللي قبلها طبقا للأرقام اللي أعلنها جهاز التعبئة والإحصاء نفسه كإجمالي وفيات.. دي لوحدها المفروض تكون فضيحة ويتسجن فيها مسئولين من وزارة الصحة لو كان عندنا وقتها صحافة أو مجلس شعب يحاسبوا الوزيرة والحكومة بجد، لأن ده يا إما تقصير وإهمال فاضح، يا إما تضليل متعمد للدولة والرأي العام نتيجته المباشرة إن القرارات الرسمية هتكون -طبعا- غلط لأنها مبنية على إحصائيات ومؤشرات غلط..

بس الوزيرة ما اتحاسبتش.. بالعكس أظن كان فيه احتفاء رسمي بيها وتم تصدير صورة الإنجاز في إدارة أزمة كورونا، رغم المهازل اللي حصلت في كل المراحل من أول القبض على أول دكاترة صمموا يبلغوا بإن فيه حالات كورونا في المستشفى -أظن كان الكلام ده في اسكندرية في البداية خالص- مرورا بالأرقام الهزلية اللي كانت بتنشرها الوزارة كأعداد إصابات ووفيات، وبعد كده برضه الأفلام والهرجلة اللي حصلت في موضوع التطعيمات وشهادة التطعيم وتطبيق الموبايل والحاجات دي.. وفي النص شهادات وحوادث كتير يمكن كان من أشهرهم الصورة دي لواحدة من أفراد الفريق الطبي لما انهارت من كم الضغط العصبي والجسدي أمام كم الإصابات والوفيات في وقت من الأوقات وعدم وجود موارد كافية -بشريا وماديا- للتعامل معاها بكفاءة..



ما أعرفش مين اللي صور الصورة وليه.. وما أعرفش دي كانت ممرضة وللا طبيبة وللا مين، لكن لغة الجسد كانت واضحة..
والإحساس بالعجز وقلة الحيلة أظن كان عندنا كلنا.. في الفترة دي كانت السياسة غير المعلنة إن " آدي الله ، وآدي حكمته" واللي يعيش يعيش، واللي يموت، فده نصيبه بقى!
أظن كان فيه معاناة من كل الناس، لأن حتى الأغنياء اللي معاهم يدفعوا الأسعار الفلكية للمستشفيات الخاصة والعنايات، كتير منهم ما كانوش بيلاقوا أماكن أصلا في الوقت المناسب..
بس ما علينا.. لا أول الفساد ولا آخره
وأظن بقى صعب على كتير مننا يتأثر ويكون بحساسية الممرضة أو الطبيبة دي.. في خلال ال 3 سنين اللي فاتوا مذبحة اسرائيل في غزة برعاية العالم كله تقريبا كانت فوق الاحتمال 
أظن -باتكلم عن نفسي على الأقل- بقى فيه نوع من التبلد أو الإنكار أو الجمود أو... مش عارف أسميه إيه بالظبط بس بقيت باتجنب البوستات والتويتات اللي بتتكلم عنهم .. وحتى المرة دي لما باشوف تويتات عن يحيي السنوار الله يرحمه أو عن البطولات الفلسطينية اللي حصلت بشبه إعجاز، مابقيتش حتى قادر أشوفها.. باتجاوزها بسرعة وأحس بالذنب!
كان حسام السيد -بتاع إنجيل بيسوا- كاتب من كام يوم إن المذبحة دي سابت أثرها فينا كلنا بشكل أو بآخر.. وأظن معاه حق كبير..
لما اتخرجت من كلية الطب كنت اكتسبت مناعة كبيرة ضد التأثر بآلام الآخرين والقدرة إني أعزل نفسي عن التعاطف عشان أقدرأتعامل مع الحالات بهدوء وبثبات وآخد قرارات موضوعية، لكن لقيت إن ده برضه له حدوده وإن إذا كان ده ممكن جزئيا في الإصابات أو الآلام الجسدية، فهو أصعب في الآلام والمشكلات النفسية، خصوصا لو مفيش في إيدك وسيلة حقيقية تساعد بيها أو تنهي مشاكل المريض.. عشان كده غالبا اخترت أبعد عن طريق الطب النفسي رغم حبي للمجال.. بس مكنتش هاقدر أتعايش غالبا، وخفت أوصل لحالة زي اللي أنا فيها دلوقتي.. إني أفقد قدرتي على التعاطف الإنساني واحدة واحدة نتيجة الضغوط المستمرة..
وفي وقت كورونا، مكنتش شغال في مستشفيات، وكنت اتنقلت لمنصب إداري أكتر فما اتعرضتش شخصيا لمآسي عنيفة الحمد لله ولا اضطريت أتعامل معاها أو أواجهها.. 
لحد ما جت مذبحة -الكلامة شكلها خفيف قوي وأقل من اللي حصل، وكلمة إبادة رغم معناها إلا إني حاسسها باردة هي كمان- غزة وعشناها تقريبا لحظة بلحظة من غير أي طريقة ولا وسيلة جدية لوقف المذبحة أو مساعدة الفلسطينيين.. حتى التبرعات، كانت اسرائيل بتفتح وتقفل وتتحكم بمزاجها ومحدش بيفتح بقه غير بكلام لزوم حفظ ماء الوجه.. طبعا باتكلم على الجهات الرسمية اللي تقدر تاخد قرارات مؤثرة، لكن غضب شعوب كتير شريفة حول العالم -بره الدول العربية لأسباب مفهومة- كان موجود ومؤثر طبعا معنويا، ويمكن هناك كمان سياسيا.. لكن فعليا على الأرض؟ مفيش اي أثر جاد لأي حاجة..
إحساس العجز والانكسار زي اللي في الصورة ده بالظبط.
والحقيقة إني مش قادر ولا عايز أتعامل معاه دلوقتي.. 
كفابة كده المرة دي.. مش عايز أفتكر حاجة

No comments: