Monday, October 05, 2026

الشعر في قلب الليل

التدوينة اللي كنت ناويها النهارده لسه محتاجة مني وقت أكبر، عشان عايز أرغي فيها شوية، ومش مركز قوي عشان عايز أنام، فهالجأ لأرشيف المقالات اللي حبيتها واحتفظت بيها على موبايلي عشان ماتضيعش مني في زحمة الشغل والعمر والإنترنت!

المقال كان بوست على الفيسبوك ل أنيس أفندي عن ماهية الشعر بتطبيق على أغنية عصام عبدالله البديعة مع علي الحجار ومودي الإمام

في قلب الليل

المقال ده -وكويس إني قابلته لأني كنت ناسيه أصلا للأسف- جاوب على سؤالي اللي كان شاغلني بقى لي فترة بتاع ليه مهتم بكلمات الأغاني وحاسسها أكتر هي والشعر بقى لي مدة، بدرجة أكبر من اللي اتعودت عليها قبل كده يعني..

إزاي؟

هوه أنا لسه هاشرح! .. ماتيجوا -الله يرحمك يا إبراهيم يا نصر- نشوف! 

إيه هو الشعر؟
[1]
تخيل معايا كده الحكاية دي،، في واحد كان في بداية شبابه، كله حماس وقوة وشغف ورغبة كبيرة في تحقيق أحلام كتيرة جداا،، تخيل مثلا إنه موهوب في أي حاجة،، مش شرط حاجة فنية، ممكن يبقي موهوب في شغلانة زي التجارة مثلا، وموهبته دي بتشعلل جواه الرغبة في تحقيق حاجات كتيرة جداا والإتيان بما لم يأت به الأولون..
الشاب ده كان بيسعى طول الوقت إنه يتعلم ويبني نفسه،، ومش مستعجل خالص على أحلامه لكنه حريص طول الوقت إنه يحس إنه ماشي في الطريق الصح،، بس كل ما يكبر يكتشف إن الحياة مش بالسهولة اللي هو متخيلها،، أو بالأحرى يكتشف إن كل قوته وحماسه وشغفه مش قد جبروت الحياة،، وتبتدي مسؤولياته تزيد، ويبتدي يقدم تنازلات،، في الأول مثلا يقول أنا لازم أعتمد على نفسي فهشتغل أي شغل علشان أوفر مصاريفي وما أبقاش عالة على حد حتى لو كانوا أهلي،، وبعدين يكتشف إن الشغل ده بيحرقه،، ويعدي بكل الألش الظريف بتاع صفحات الشغل عن المرتبات والبصمة وزمايل الشغل والفطار والمدير…إلخ وفي لحظة تجلي كده يستعيد حماسه تاني ويقرر قرار عنتري ويسيب الشغل اللي مش بيحبه ومش في الطريق الصح، علشان يدور على الحاجة اللي هو عاوز يعملها..
وبعدين يبدأ من الصفر، في شغل جديد بيحبه وبيوافق موهبته،، ويبدأ يعافر علشان يثبت نفسه فيه،، وبعدين لما يحس بالوحدة يخاف من عمره اللي بيجري ويقرر يستقر بقي ويفتح بيت،، ويتجوز فعلا، وبعدين تقوم حرب روسيا وأوكرانيا، والبيض يغلى وبعدين يخلف والدولار يزيد،، والبنزين يزيد،، والبامبرز يغلى،، وبعدين يضطر يشتغل شغل إضافي،، وبعدين يدخل في دوامة مدارس العيال،، وفجأة يكتشف إنه دخل في الأربعين ولسه ما حققش حاجة من اللي كان بيحلم بيها،، والظروف عمالة تضغطه وتجره في طريق تاني خالص،، وفي ليلة من ذات الليالي يقعد مع نفسه ويفتكر أيام ما كان لسه متخرج وكله حماس وقوة وشغف ورغبة كبيرة في تحقيق أحلام كتيرة جدااا..
لو في شاعر بقي عاوز يعبر عن الحكاية دي في قصيدة ولا أغنية،، تفتكر يقول إيه؟؟

[2]
في قلب الليل
وعزف الصمت متهادي
كموج النيل
في قلب الليل
وبرد الخوف بيتكتك سنان الخيل
وما في حد في الشارع
سوى مُهر اتربط جازع
في شجرة سنط
وأنا والصمت
وبرد الليل
وخوف الليل
===
وصهل المهر لم أفهم
أخوف مني أم اتعاجب؟
سألت المهر لم يفهم
كلام مني ولا جاوب
وكان في عينيه
بريق مني
كأنه كان بيسألني
وقفت أنظر له ينظرلي
وأنظر له وينظرلي
ولما صار كما خلّي
فتحنا أبواب حكاوينا
وتهنا في أغانينا
في برد الليل
وخوف الليل
وحزن الليل
===
وكان في جيده قيد جارحه
وقيد في جيدي ما لمحه
لكن حاسه
أكيد حاسه
وفجأة لقينا أحلامنا
وصهل الفجر في عيوننا
مسكت قيوده فكيتها
صهل بمعاني حسيتها
وصار يجري
وينساني
وأنا بجري
في طريق تاني
في برد الليل
وخوف الليل
وحزن الليل
===
وبعد كتير
في ليل تاني
لقيته لوحده من تاني
في جيده وإيده قيد تاني
صهل تاني
ماردتشي
وباقي لوحدي أنا بمشي
في برد الليل
وخوف الليل
وحزن الليل
ــــ
أغنية "في قلب الليل" كلمات الشاعر العظيم عصام عبد الله، وألحان مودي الإمام، وغناء على الحجار

[3]
الشعر ليه 3 مستويات
>> مستوى أول سطحي هو القافية والوزن والإيقاع والموسيقى
>> ومستوى تاني أعمق هو الصور الشعرية اللي بترسمها الكلمات
>> ومستوى تالت أكثر عمقا هو المشاعر والأفكار اللي بتثيرها وتعبر عنها الصور دي
ــــــــ
المستوى الأول ده هو أتفه وأهيف مستوى،، ومش صعب على ناس كتير إنهم يقولوا كلام مسجوع حتى لو كان أي كلام في الحمادة،، زي مثلا الأستاذ تامر حسني لما بيقول:
كل مرة بشوفك فيها
ببقي نفسي أأأأ
أأأأأ
طب أأأأأ
طبعا ده كلام فارغ في المطلق وملوش علاقة بالشعر،، لكن المستوى الأول ده فيه مجال كبير جداا للإبداع،، وعم المجال ده هو عمنا سيد حجاب اللي طلع فوق وخد السلم معاه (حرفيا) ومحدش عارف يطلع له،، فبمنتهى البساطة ممكن يقولك:
دنيا شقا كلنا عيشها
والخوف راعشنا وراعشها
ووحوشها طيشها ناعشها
ونافشة ريشها وضارية
ـــ
عمنا سيد حجاب كان بيحافظ على درجة عالية وغير مسبوقة في المستوى الأول، من غير ما يعجز معاه المستوى التاني أو التالت،، ورغم صعوبة الإتيان بكل الألفاظ المسجوعة دي إلا إنها منظومة في مكانها الصح، وبتؤدي معنى واضح مش جاية منظر،، بس مش عاوزين ننجرف كتير في الحتة دي، فخلينا نكمل

[4]
المستوى التاني والأكثر أهمية بين التلاتة وإن لم يكن الأعمق، هو الصور الشعرية،، الصور الشعرية دي هي جوهر الشعر أصلا،، مفيش شعر من غير كلمات بترسم صور تستعصى على الإنسان العادي اللي مش موهوب في الشعر،، صور بتحمل معنى ومشاعر واضحة في ذاتها مفيهاش لبس ولا تحتاج لتأويل،، معناها متحقق جواها مش محتاج حد يترجمه..
في حكاية أنا حكيتها كذا مرة ودايما بستخدمها علشان أوضح فكرة الصورة الشعرية،، في مرة كنت راكب مواصلة وجنبي اتنين بيتكلموا، راجل لابس قميص وبنطلون وراجل تاني لابس جلابية وشكله معلم،، وكانوا بيتكلموا عن التجارة والسوق،، في الأقاليم مفيش مكان محدد لسوق الخضار والفاكهة، لكن في يوم معين من كل أسبوع التجار بيتجمعوا في مكان واحد والناس بتنزل في اليوم ده تشتري حاجة الأسبوع كله،، عندنا مثلا في بلقاس يوم السوق ده هو يوم الأحد،، بس برضه مفيش مانع إن حد يبقي فارش بالخضار أو الفاكهة باقي الأسبوع، وفي تجار عندهم محلات بيبعوا فيها طول الأسبوع برضه،، لكن غالبا التجار وخصوصا الفلاحين اللي بيبيعوا محاصيلهم بيكونوا موجودين في يوم السوق بس، وطبعا يوم السوق السلع بتبقي جودتها أفضل وبيكون سعرها أرخص من الأيام العادية..
الراجل اللي لابس جلابية ده واللي كان شكله تاجر أو فلاح من دول، قال جملة عظيمة جدا، قال: "الإتنين عقب سوق"،، تعبير شعري تماما،، هو يقصد إن السوق بيكون يوم الأحد، والتاجر أو الفلاح اللي ما بيقدرش يكسب كويس في يوم السوق، أحيانا بيضطر يفضل قاعد ببضاعته لتاني يوم اللي هو يوم الإتنين،، بس الناس بتكون خلاص اشترت حاجتها يوم السوق والرجل بتكون خفيفة جدااا، فهو لما بيعمل كده بيكون كأنه واحد مدخن خلص السيجارة لكنه لسه خرمان، فعمال يسحب منها ودخل على الفلتر (عقب السيجارة) واللي طبعا مش هيجيب له غير دخان حرق الفل بتاع العقب واللي هو ريحته وحشة جداا ومفيهوش نيكوتين،، أهي هي دي بالظبط الصورة الشعرية،، التعبير عن معنى محدد بتشبيه بلاغي واضح يقدر يفهمه اللي بيسمع ويوصل منه للمعنى بدرجة كبيرة،، ورغم إن المستوى التاني ده مش هو أعمق مستوى، لكنه هو الأكثر أهمية، لأن من غيره يبقي مفيش شعر أصلا، ويبقي مجرد كلام عادي أي حد ممكن يقوله، حتى لو كان كلام مسجوع وفيه قافية ووزن، وحتى لو كان بيثير أفكار ومشاعر كتيرة جدااا،، لو مفيهوش صورة شعرية يبقي مش شعر(نقطة)

[5]
المستوى التالت والأخير والأكثر عمقاً هو هو المشاعر والأفكار اللي بتثيرها وتعبر عنها الصور الشعرية،، وتعالى نشوف عصام عبد الله بيعمل ده ازاي علشان البوست كده طول قوي..
في الأول بيقولك:
في قلب الليل وعزف الصمت متهادي كموج النيل
في قلب الليل وبرد الخوف بيتكتك سنان الخيل
السطرين دول كده ورا بعض متحقق فيهم المستوى الأول: القافية (النيل والخيل)، والوزن والإيقاع والموسيقى لأن الجملتين قد بعض وماشيين على نفس الوزن وبيخلقوا نفس الإيقاع والموسيقى
ومتحقق فيهم المستوى التاني ببراعة وإبداع في منتهى الجمال،، فهو بيقدم في كل سطر صورة شعرية مزدوجة، الأول بيصور الصمت بالموسيقى وبيقول إنها موسيقى هادية زي حركة موج النيل،، صورتين في جملة واحدة متناسقين وبيؤدوا معنى واضح تماما،، وفي السطر التاني بيصور الخوف بالبرد الشديد جداا اللي قادر يخلي الخيل نفسها اللي عندها قدرة احتمال أقسى درجات البرودة سنانها بتتكتك (الخوف برد) و(البرد من شدة قسوته بيخلي سنان الخيل تتكتك)
أما المستوى التالت بقي فهو اللي بيخليك تحس بمشاعر مقبضة جداا من الصمت اللي معناه الوحدة، ومن الخوف الشديد ده،، وتحط على كل ده بقي صورة "الليل" اللفظة اللي بتتكرر في السطرين وفي كل الأغنية من أول العنوان،، تلاقي نفسك عمال تتخيل وتفتكر مواقف صعبة جداا مرت عليك مكنتش تقدر تعبر عن مدى صعوبتها قبل ما تسمع الشعر ده،، فهنا اللي اتحقق إن الصور الشعرية أثارت فيك مشاعر وأفكار على مستوى أعمق
في باقي الأغنية الشاعر بيتكلم عن مُهر كان مربوط في شجرة في الشارع في الأجواء المقبضة دي اللي هو قابله فيها،، المهر ده هو الشاعر نفسه في بداية شبابه، لما كان كله حماس وقوة وشغف (ودي كمان صورة شعرية خد بالك)،، ولما الشاعر بيقابله في المرة الأولى بيكون في المرحلة اللي كنا بنتكلم عليها في الحكاية لما الشاب قرر يسيب الشغل اللي مش بيحبه ويروح يدور على شغل تاني يناسب موهبته وشغفه،، وفكرة إن المهر ده مربوط هي تعبير عن الربطة اللي كان فيها الشاب ده لما اضطر يشتغل أي حاجة علشان يكفل نفسه،، والشاعر نفسه كان شايف "القيد" اللي المهر مربوط فيه "وكان في جيده قيد جارحه | وقيد في جيدي ما لمحه | لكن حاسه" ما هم الاتنين نفس الشخص "وكان في عينيه | بريق مني"،، والاتنين متقيدين بنفس الظروف، بس المهر مش شايف القيد اللي الشاعر متقيد بيه، لأن الشاعر ده هو نفس الشخص في المستقبل ، والمهر في شبابه مكانش شايف القيود دي لسه، لكنه كان حاسس بيها، لأنهم نفس الشخص، وعلشان كده بيقول: "سألت المهر لم يفهم | كلام مني ولا جاوب" لأن المهر في المرحلة دي مكانش فاهم إيه هي القيود اللي قيدته في المستقبل وخلته مش قادر يسعى ورا حلمه..
في آخر الأغنية لما بنرجع لنفس الصورة دي تاني والشاعر بيقول: "وبعد كتير في ليل تاني" يعني بعد فترة في ظروف مختلفة "لقيته لوحده من تاني | في جيده وإيده قيد تاني" بقي في ظروف مختلفة بتقيده في مرحلة عمرية مختلفة، بعد ما اتجوز وخلف وبقي مسؤول والظروف مش مساعداه إنه يحقق أحلامه،،
وفي المرة التانية دي بيقول: "صهل تاني" المهر في المرة دي هو الشاعر نفسه في الصورة الأولى، يعني لو تخيلنا إن المهر في الصورة الأولى كان الشاب في العشرينيات، والشاعر هو نفس الشاب في التلاتينات بعد ما قرر يفك قيده ويتحرر ويدور على شغفه،، في الصورة التانية المهر هو الشاب ده في التلاتينات ومش شايف القيود اللي هتبقي عليه بعد كده، والشاعر هو الشاب ده في الأربعينيات، اللي لما شاف المهر تاني مرة "صهل تاني" قرر إنه ما يردش عليه "ما ردتشي | وباقي لوحدي أنا بمشي | في برد الليل | وخوف الليل | وحزن الليل"
الشاعر أو الشاب في المرحلة الأخيرة دي كان خلاص استسلم للحياة، وتخلى عن أحلامه اللي القيود مانعاه يحققها،، وقرر إنه يكمل طريقه "في برد الليل وخوف الليل وحزن الليل" وما يفكش قيد المهر لما قابله تاني مرة..
عصام عبد الله مش شرط يكون كان بيفكر في البوست الطويل قوي ده وهو بيكتب الأغنية البديعة دي،، وكل التأويل اللي أنا بقوله ده هو مجرد ترجمتي أنا الشخصية للأغنية،، وهو ده تحديدا معنى الشعر، هو الصور الشعرية اللي ليها معنى واضح ومحدد في ذاتها، واللي بتثير جوه المستمع أفكار ومشاعر يأولها هو حسب تجربته الخاصة وحسب طريقة تفكيره،، لكن يفضل معناها الذاتي موجود وواضح، وطبعا تبقي صور جمالية وإلا ما يبقاش فن،، لكن الوزن والقافية مش شرط نهائي وهنا ظهر حاجة اسمها الشعر الحر اللي بيتحرر من الوزن والقافية لكنه مازال يحمل جوهر الشعر (الصورة الشعرية) وما زال قادر يثير مشاعر وأفكار مختلفة حتى لو اختلف تأويلها عند الجمهور اللي بيسمعها،، وهي دي إجابة السؤال اللي في أول البوست يا عبلة.


4 comments:

Leonardo said...

وده مقال تاني عن الأغنية بتفسير تاني مختلف للكلمات، حبيت أجيبه هنا عشان توضح النقطة اللي اتكلم عنها أنيس أفندي بوجود تفسيرات مختلفة -كلها مقبولة- للشعر الحقيقي.
على الرابط ده https://www.elmeezan.com/%D8%A3%D8%BA%D9%86%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%82%D9%84%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8A%D9%84-%D8%B9%D9%86%D8%AF%D9%85%D8%A7-%D8%AA/

Leonardo said...

أغنيات في الذاكرة : في قلب الليل … عندما تصل الأغنية إلي قمة تطورها.
“فكرتي ليست محدودة وإنما هي البحث عن لغة وفق ما يرضاه الناس، فأخذ موقعي وقدراتي بهذا بتبسيط ليس به تسطيح يستطيع أن يحدث صدى عند الناس، فأغلب الممارسات الفنية حاليا غير جذابة لا تغتصب المستمع وتشده، واقصد هنا بالجاذبية النوع العالي منها الذي يؤدي إلي تفكير مفيد وتعميق لتفكير جيد، وكل الموجود على الساحة الآن ليس به هذا وأنا أفضل نفسي عن كل الموجود لأن لي شكلى الخاص وليس لي شبيه يقلدني”
تلك كانت كلمات الشاعر عصام عبدالله في مقابلة مع الصحفيان إبراهيم عيسى وعبد الله كمال والتي نشرت في كتابهما المشترك “الأغنية البديلة” عام 1988.
هذه الكلمات تكشف جانبًا كبيرًا عما كان يريده عصام من كتابة الأغنية، البحث عن لغة جديدة وتكنيك كتابة مختلف حتى عند تناول موضوع تقليدي، ومزج كل هذا ببساطة دون تسطيح وتكثيف مدهش لا يشتت المستمع، بل يستطيع لفت نظره كل مرة أو كما وصفه بلفظ قد يراه البعض فظ “تغتصبه”.
لم يكن هذا التصريح مزايدة على شعراء الوسط الغنائي أو يحمل بعض النرجسية وتضخم في الذات، لأنه ببساطة كان قادر على وصف نفسه كشاعر أغنية، واستطاع فرض أسلوبه وتناول المواضيع بشكل جديد ومختلف سواء كانت عاطفية أو إنسانية أو حتى في أغاني الأطفال، ويمكن الرجوع إلى أرشيف أغانيه منذ البداية نلمح التطور الذي أحدثه في الأغنية المصرية وجعله في زاوية منفصلة عن بقية شعراء الأغنية، كان مدرسة جديدة مستقلة لم تكن امتدادًا لمن سبقوه ولم يستطع احد تقليده حتى الآن.
في النصف الثاني من الثمانينات وصل عصام بأغنياته إلي أقصي تطور شهدته الأغنية المصرية، أو كما عرفت فيما بعد بالأغنية البديلة، لكن تبقى الأهم في كتابات تلك الفترة أغنية ” في قلب الليل” التي صدرت في أواخر الثمانينات في ألبوم حمل اسمها.
الكلمات:
تتجلى في تلك الأغنية ملامح الثورة التي أحدثها عصام عبد الله في كتابة الأغنية، نحن أمام أغنية تحمل طابع الأفلام السينمائية القصيرة، ربط مدهش بين الزمان والمكان، استخدام الرمزية بطول الأغنية دون أن تتوه في تفسير ما المقصود، والأهم هو اللغة التي مزجت بين الفصحى وبين العامية مع شلالات من المفردات والتراكيب اللغوية البكر التي نراها لأول مرة في أغنية مصرية.
تفتتح الأغنية بشكل كان مزيج ما بين الشعر وبين السيناريو، حيث حدد الزمان وهو “قلب الليل” مع وصف الأجواء المحيطة بإيجاز وتكثيف مدهش.

“في قلب الليل – وعزف الصمت متهادي كموج النيل – في قلب الليل – وبرد الخوف بيتكتك سنان الخيل- وما في حد في الشارع – سوى مهر اتربط جازع – في شجرة صنت وأنا والصمت في برد الليل وخوف الليل”

تراكيب لغوية ومفردات تضعك في قلب الحدث، وكأنك تشاهدها لا تسمعها، ومن السهل تفسير أن المهر ما هي إلا فتاة ألقت بها الظروف في طريق الراوي في تلك الليلة الباردة الساكنة تمامًا تمنحك تشويق لما ستفسر عنه بقية القصة.

Leonardo said...


تبدأ الأحداث في التصاعد في المقطع الثاني مع اقتراب الرواي من المهر المربوط الذي يكسر صهيله صمت المكان.

“وصهل المهر لم أفهم أخوف مني أمتعاجب – سألت المهر لم يفهم كلام مني ولا جاوب – وكان في عنيه بريق مني – كأنه كان بيسألني – وقفت أنظر له ينظر لي وانظر له وينظرلي ولما صار كما خلي – فتحنا أبواب حكاوينا – وتهنا في أغانينا – في برد الليل وخوف الليل وحزن الليل”

يحافظ عصام على نفس النسق بتكنيك صياغة مدهش ومفردات من قاموسه الخاص المدهش جدًا، مع حرية كاملة في تغيير القالب الشعري وكأننا أمام عدة مشاهد منفصلة تحكي لنا قصة واحدة بتماسك شديد.
تبلغ الأحداث ذروتها في المقطع الثالث الذي يعتبر أهم مقطع في الأغنية كلها، بل ومن أعظم ما صاغ عصام على الإطلاق.

“وكان في جيده قيد جارحه – وقيد في جيدي ما لمحه- لكن حاسه اكيد حاسه- وفجأة لاقينا أحلامنا – وصهل الفجر في عيونا – مسكت قيوده فكتها – صهل بمعاني حستها – وصار يجري و ينساني – وأنا بجري في طريق تاني – في برد الليل وخوف الليل – وحزن الليل”

نلاحظ هنا تكسير لقواعد اللغة في الاغنية التقليدية فنجد تلاعب بألفاظ ومفردات غير مألوفة على الأغنية مع محسنات بديعية من جناس وطباق وكأنه يمتلك شفرة خاصة وأسلوب متفرد، مع الحفاظ على تماسك الفكرة والرمزية في التناول.

يعج هذا المقطع بالرمزية التي تفتح الباب لعدة تأويلات، فالاثنان الراوي والمهر في أسر واحد كل حسب قيده، فالراوي يلمح القيد المعلق في عنق المهر، والمهر يشعر بأن الراوي يعاني من قيد آخر مماثل لم يراه لكنه أحس به، وان ما بدأ في فك القيود حتى انطلق المهر يبحث عن حريته بعيدًا عن من قام بتحريره الذي اختار أن ينطلق إلى طريق آخر.

كان من الممكن أن تنتهي الأغنية عند هذا المقطع لكن اختار أن ينهي عصام القصة بشكل سلس وبسيط.

“وبعد كتير في ليل تاني – لقيته لوحده من تاني – في جيده و قيده قيد تاني – صهل تاني ماردتش – وباقي لوحدي أنا بمشي – في برد الليل وخوف الليل – وحزن الليل”

هذا المقطع يكشف عن شخصية عصام الحقيقية التي تعتز بنفسها جدًا ولا تقع في الفخ مرتين، فالقيد هذه المرة لم يكن في الرقبة بل في اليد وعندما همس إليه لم يلتفت إلي المهر واختار الصمت والرحيل، ويتداول بعض أحباء عصام أن الأغنية قصة حقيقية حدثت له بالفعل.

Leonardo said...


الموسيقى:

صاغ الموسيقى مودى الإمام والذي كان على مستوى الحدث تمامًا، فصنع موسيقى تممت الحالة وكانت بمثابة شريط الصوت المصاحبة لتلك القصة السينمائية القصيرة.

لحن الأغنية على مقام النهاوند، وهو مقام يسهل تطويعه لما تريده، واختار مودي أن تكون جمل اللحن تعبيرية أكثر منها تطريبية، مع تنويع في الأفكار حيث لكل مقطع لحنًا منفصلًا.

من البداية يدخلنا مودي الإمام في الأجواء مباشرة، مؤثرات صوتية تعمل صوت الرياح، ايقاع يشبه الركض، مع حليات من الكيبورد تعطينا تشويق وإثارة، وصولو من الكيبورد أجاد اختيار صوته الذي يشبه صهيل الخيل، كلها على مقام النهاوند تتصاعد لتصل إلي الذروة ثم تهبط فجأة لتسلم الغناء بسلاسة.

جملة بداية الغناء تشعر وكأنك أمام راوي يصف لنا الأجواء يصاحبه زخرفة موسيقية مكونة من خطين من الكيبورد.

اختار مودي جملة بسيطة في الفاصل الموسيقي بين المقاطع، تتغير تسليمها على حسب جملة اللحن في كل مقطع، جملة اللحن في الفاصل الثاني جاءت رومانسية مطابقة لمضمون الكلمات، تسير خلفها كوردات تشبه الوتريات معزوفة بالكيبورد، الفاصل الثالث جاء بجمل تعبيرية جدًا خصوصًا في التطويل المقصود في جملة “وصار يجري وينساني” مع دخول آلة العود لأول مرة، جملة الفاصل الأخيرة كشفت لنا عن جملة الفاصل الرئيسية أو لزمة الأغنية لكنه قطعها فجأة ليدخل المقطع الأخير القصير جدًا والذي عبرت عنه جملة اللحن بأسي وشجن، مع أصوات من الكيبورد تشير إلى أن المهر كان يستجديه لفك قيده مرة أخرى، لتدخل بعد ذلك جملة الفاصل الرئيسية التي ظهرت بالكامل في آخر الأغنية والمحاورة الرائعة بين الكيبورد والعود تتصاعد الحالة ثم تهبط فجأة ويحل السكون وتنتهي الأغنية.

أخرج مودي الإمام على طريقة اوركسترا الفرد الواحد حيث عزف أغلب جمل الأغنية بنفسه وهي البصمة التي تميز موسيقاه، وحاول على الحجار اقناعه بالاستعانة بعازف عود حتى استقرا على الملحن وعازف العود جمال لطفي الذي شارك في عزف الأغنية بعوده.

أداء على سهل ممتنع، صوته الرخيم القوي جعله راوي أكثر من رائع، وبرغم أن مودي لم يكن في ذهنه على الحجار وقت تلحين الأغنية إلا أن مودي أخرج أحلى ما في صوت على الحجار الذي كان في عز عنفوانه وقوته.

ظلت كلمات الأغنية حبيسة جيب مودي الإمام طيلة ثلاث سنوات، لا يعرف كيف يبدأ فيها وفي ليلة كان يتجول فيها صحبة عصام عبد الله ووقفا أمام أحد أكشاك بيع الجرائد لمح مودي رواية “قلب الليل” للأديب نجيب محفوظ فلمعت فكرة أن يبدأ الأغنية من جملة “في قلب الليل” بدلًا من “الليل حزين” وعرض الفكرة على عصام الذي غير في المقدمة لينهي مودي الإمام من تلحينها في نفس الليلة، ويعرضها على الحجار الذي كان يقطن في نفس العمارة الشهيرة في شارع معمل السكر جاردن سيتي الشهير بعمارة امباير.

ظلت في قلب الليل حبيسة جمهور على الحجار فترة لا بأس بها، حتى ألتفت إليها التليفزيون المصري منتصف التسعينات وقرر تصويرها على طريقة الفيديو كليب فنالت شهرتها الأكبر وحصدت جمهورًا جديدًا ولازالت تحصد حتى الأن ويتداولها الجمهور بنفس الابهار ويعتبرها البعض درة التاج في أعمال على الحجار.