اتكلمت كتير قبل كده إن معنديش جذوة الموهبة للكتابة، لكن يمكن عندي فتيلة صغيرة كده بتضايقني وخلاص من غير ما أقدر أكتب حاجة كاملة ومتماسكة تعبر عن اللي باحس بيه ساعات..
بالرغم من كده، عندي مرات قليلة كتبت فيها حاجات واتبسطت بيها ونالت إعجاب اللي حواليا.. كانت في إطار الدراسة وأنا في مرحلة إعدادي وأولى ثانوي بالذات..
في الإعدادي كنت باطلع في الإذاعة المدرسية.. بالرغم من إني شخص خجول وانطوائي في المعتاد، لكن برضه كان عندي حتة كده إني بادور على ثناء وتقدير من اللي حواليا .. يمكن بسبب وفاة والدي وأنا صغير مالحقتوش، يمكن لطبيعة شخصية، يمكن لأي سبب.. المهم إني كنت باشوف الأنشطة اللي ممكن مشاركتي فيها تمثل نوع من التميز وممكن تجيب لي ثناء وإشادة من المدرسين والكبار اللي حواليا.. فكان التفوق الدراسي ومسابقات أوائل الطلبة والمشاركة في الإذاعة المدرسية والصحافة المدرسية كمان -دي الفضل فيها يرجع للأستاذ المسؤول عن الصحافة المدرسية في المدرسة الله يرحمه.. كان بيجيبنا أنا وتلاتة من زمايلي ويساعدنا نعمل حوارات صحقية ونجهز مجلات ونشارك في أنشطة.. الله يرحمه كان مخلص لشغله بطريقة ماقابلتهاش كتير بعد كده في حياتي- وكنت باشارك بفقرات مختلفة لكن معنديش موهبة الإلقاء والخطابة. فكنت أقرأ قرآن .. أقول حديث أو حكمة .. كده يعني..
في الإعدادي بقى الموضوع تطور لحد ما وصلت إني في تالتة إعدادي باحضر الإذاعة المدرسية كاملة وأختار اللي هيطلعوا يقولوها في يوم الأسبوع الخاص بالمكتبة.. كان كل مدرس مادة عندنا مسؤول عن تحضير الإذاعة المدرسية في يوم، وأمين المكتبة كان مسؤول عن يوم الخميس، وأنا كنت -طبعا- شبه مقيم في المكتبة وكان بيثق فيا وساب لي مسئولية الإذاعة في اليوم بتاعه..
لكن قبل كده في تانية إعدادي -أولى إعدادي دي كنت فيها كائن شبه بوهيمي ضائع بين مناهج الإنجليزي والرياضيات اللي كانت جديدة ومختلفة في الإعدادي عن الابتدائي وقررت وقتها آخد درس خصوصي في الإنجليزي بعد ما بدأت السنة مش ناوي آخد دروس.. لكن صمدت في الرياضيات وماأخدتش الحمد لله- كنت باشارك كتير في الإذاعة في فقرات عادية زيي زي زمايلي وكان من ضمن الفقرات اللي باقولها أحيانا هي "الكلمة" وده بيبقى كلمة عن موضوع معين كان بيكتبها أو بيحضرها اللي بينظم الإذاعة ويديها للي هيقرأها جاهزة ..
لكن في يوم، طلب مني المسئول عن الإذاعة إن أنا اللي أحضر الكلمة اللي هاقولها تاني يوم.. وكانت بمناسبة رمضان تقريبا والصيام وكده.. وقتها قررت إني مش هانقل كلمة من الكتب أو الجرائد والمجلات وخلاص، وكتبتها أنا.. وفاكر كويس إني كتبتها على طبيعتي وبأفكاري.. بلغة عربية طبعا مش عامية، لكن بلغتي أنا وأسلوبي أنا وبآرائي أنا..
ولما قلتها تاني يوم، فاكر كويس إن مدير المدرسة جه بعد ما انتهت الكلمة وأخد الميكروفون وخلى الطابور كله يصقف لي وأثنى على الكلمة والمعاني والأفكار اللي فيها..
للأسف ما احتفظتش بيها وضاعت مني فمش فاكر إذا كانت تستاهل فعلا الإشادة دي، وللا بس هي كانت معقولة بس ميزتها في إنها مش مكررة أو إن اللي كاتبها طالب صغير فبنشجعه.. بس فاكر إن محتواها ماكانش مركز على محسنات أو جماليات أو اقتباسات كالمعتاد، لكن كان مركز على نقد اجتماعي صريح لسلوكياتنا.. وأظن ده اللي خلاها تعجب المدير وبعض الناس يومها..
.....
تاني مرة كان موضوع تعبير عادي في حصة العربي في أولى ثانوي.. كان موضوع عادي مش فاكر عن الصبر وللا الأمانة وللا إيه.. تقريبا كان عن الصدق وأثره في المجتمع أو حاجة كده.. ساعتها برضه قررت إني هاسيب نفسي كده وأكتب اللي في دماغي مش هاكتب اسطمبات مكررة.. الموضوع لسه عندي وكان كويس فعلا في المحتوى، لكن لغته طفولية ومراهقة نوعا مش بليغة أو محكمة بشكل كافي.. وقتها أنا كنت قارئ شره لروايات مصرية للجيب ونبيل فاروق الله يرحمه -ماكانش أحمد خالد توفيق لسه نشر تقريبا- فاتأثرت بأسلوبه شوية في الأمثلة اللي استشهدت بيها وقعدت أقول ولو واحد عايش هنا في مصر هيتصرف إزاي ولو واحد عايش في حي هارلم وسط الجريمة هيتصرف إزاي وكلام غريب كده، بس برضه كان أفكاري ودماغي وكان أساسه برضه نقد اجتماعي صريح شوية.. وقتها المدرسة إدتني عشرة من عشرة لموضوع التعبير، ودي حاجة عمرنا ما كنا شفناها قبل كده -على الأقل دفعتنا احنا يعني- إن موضوع تعبير ياخد الدرجة النهائية لأن دايما هيبقى فيه غلطة نحوية أو إملائية أو ركاكة في جملة حتى - وده كان موجود طبعا في موضوعي- لكن إعجاب المدرسة بالمقال وأسلوبه خلاها تديني الدرجة النهائية..
كتبت بعد كده موضوعات كويسة كتير طبعا ولغتي اتحسنت، لكن مخدتش عشرة من عشرة تاني، لأن اللي بعد كده كانت بتبقى صنعة أكتر .. آية وحديث وبيت شعر وحكمة واكتب مقدمة وبعدين ناقش الموضوع واستشهد بالأمثلة وخاتمة، وكده زي الفل.. موضوع محكم ومتماسك ونموذجي، لكن مافيهوش روح!
.....
ما اتكررش الموضوع تاني كتير، لأني ماسبتش نفسي أكتب كتير.. ومقدرتش قوي أكتب قصة أو مقال أو غيره، لأني بقيت أقرأ لأدباء كتير حلوين قوي ولما أقرأ أي حاجة كتبتها بالاقيها أقل بكتير فماباكملش طبعا.. ده غير حتة الموهبة والخيال الإبداعي بقى نفسه.. عندي قليلين قوي إني أكون فنان أو أديب مبدع.. يمكن عشان كده الحاجتين اللي عملتهم براحتي ونالوا الإشادة كانوا بسبب النقد الاجتماعي والصراحة أكتر منهم الصياغة الأدبية أو الإبداعية..
المهم اللي فكرني بالكلام ده النهارده إني أخدت بالي من بعض الصور والتعبيرات اللي بتيجي ساعات في المناقشة بيني وبين ناس تانية -لما تبقى مناقشة بجد يعني وده بقى قليل للأسف- لأن ساعات بيطرحوا صور لطيفة جدا ووجودها في سياق مناقشة عادية بيكون منعش ومختلف.. وأحيانا برضه بالاقيني أنا نفسي باعمل كده.. في وسط كتابة عادية، ألاقي صورة طلعت كده في دماغي فأسجلها زي ماهي وألاقي إنها إدت روح لكلام عادي ومكرر..
الفكرة هنا إن طزاجة الصورة في أحيان كتير بييجي من صدقها وكونك كتبت اللي إنت شايفه فعلا واللي بيمثل أفكارك فعلا، لكن لما بتدور على لفظ معبر أكتر أو أسلوب أكثر بلاغة، فبتلاقي نفسك -غصب عنك- بتكتب بأسلوب مكرر وتعبيرات وأساليب إنت نفسك شفتها كتير قبل كده.. حلوة أيوه ومتماسكة ومعبرة، لكن مش تعبيراتك وأسلوبك إنت فمش صادقة قوي ومابتنقلش اللي شافته عينك إنت..
فيعني... لو ربنا كرمني وقدرت أكتب في يوم، أحب أفكرني إن أساس المتعة والنجاح هو إني أسيب نفسي على رأي كايروكي وعايدة الأيوبي.. لو كل العالم قالوا عليا مجنون!
No comments:
Post a Comment