في نهاية الفترة اللي كنت شغال فيها في الحكومة، كنت بافكر أٍسافر بره وكنت محتار شوية بين التخطيط لأوربا -ألمانيا غالبا لأنها كانت أسهل- وبين الخليج، وكان ليا صديق شغال في الإمارات في مجال قريب من شغلي، ومقيم هو وأسرته هناك.. فقلت أكلمه أسأله عن الدنيا عنده في الإمارات والخليج عموما كشغل وكإقامة ومجتمع للأسرة، وبرضه أهو يعرف إني حابب أسافر لو كان قدامه فرصة مناسبة فيقول لي..
كلمته ودردشنا كتير وقال لي على معلوماته وتجربته وانطباعاته بالشكل اللي يكفيني إني آخد قرار.. مش فاكر كنت قررت إيه وقتها بالظبط بعد كلامه، لكن القرار مش هو اللي يهمني هنا، اللي يهمني إن في وسط دردشتنا كان بيسألني عن أهدافي من الشغل والسفر عشان نحاول نجاوب أسئلتي وناخد قرار مناسب.. وكانت إجاباتي كلها متركزة على تأمين أسرتي وتعليم بنتي والظروف اللي هتناسب مراتي وشغلها وراحتهم ... إلخ
لفت انتباهي ساعتها إني ما اتكلمتش عن أي طموحات أو أهداف شخصية ليا أنا في الشغل ولا مستقبلي ولا حاجة تخصني قوي عموما، ونصحني -فيما معناه يعني- إني أحاول يكون لي أهدافي وطموحاتي الخاصة كشخص، وإن أيوه طبعا اهتمامي وحرصي لراحة وسعادة أسرتي ده شيء كويس مطلوب، لكن ده مش متعارض إني كمان أشوف نفسي لأني لما هاحقق ذاتي وطموحاتي هاكون أكثر ثقة وراحة وسعادة وده هيساعد أسرتي بالتبعية أكتر لأني نفسيا هيكون وجودي في حياتهم إيجابي أكتر وماديا نجاحي في الشغل معناه استقرار أكتر للأسرة..
الكلام كان جديد بالنسبة لي لأني عمري ماشفت الموضوع من الزاوية اللي بيتكلم عنها، طبيعي إن كل حياتي وأهدافي تبقى مرتبطة بأسرتي - بنتكلم هنا عن الشغل والوظيفة-. ما أنا رب الأسرة!
وطبعا إن أهدافي وطموحاتي تكون مرتبطة بيهم وبسعادتهم، مش معناه إن مش هيكون لي حياتي الخاصة وهواياتي ووقتي واستقلالي. ففيما يتعلق بمجال الشغل والوظيفة، فأنا باشوفه مجرد وسيلة للحصول على دخل مناسب مش أكتر.. آه طبعا باحاول أكون مخلص في شغلي على أد ما أقدر عشان نحلل القرشين اللي بنقبضهم، وباكون سعيد لما يتم الثناء على شغلي أو الاعتراف بكفاءتي، وممكن أدور عن الطرق المتاحة لزيادة دخلي من الوظيفة أو الشغل، لكن عمري مثلا ما فرق معايا منصب معين ولا مسمى وظيفي معين ولا سعيت إني آخد ترقيات أو أي حاجة على سبيل تحقيق الذات.. محاولاتي دايما كلها كانت في إطار "إزاي أعمل مهامي بأفضل طريقة ممكنة" ولو ده مرتبط إني المفروض أكون مدير لفريق أو مجموعة، فيبقى تمام.. أكون أنا مدير المشروع ده، لكن فيه مشروعات كنت أنا اللي باديرها بشكل شبه كامل، ورضيت أكون نائب مدير المشروع بدون أي غضاضة لأني شايف اللي معايا عنده خبرة أو أقدمية أكتر مني -وطبعا شخص مؤهل مش ضعيف يعني لأنه ساعتها هيعطلني ويبوظ شغلي- وحتى بعد ما المشاريع نجحت ونالت إشادة -وقتها كنت في الحكومة لسه- ما اهتميتش ومافرقش معايا فعلا إن الإشادة دي تيجي لمدير المشروع أو مدير الإدارة نفسها ومايكونش فيه تقدير مادي أو معنوي ليا أنا شخصيا. وده ما باقولوش بإنكار ذات ولا تفاني ولا حاجة مثالية.. أنا ببساطة شايف إن نجاح المشروع معناه إني عملت شغلي اللي باخد عليه مرتبي بشكل كويس. صحيح بانبسط لما أسمع كلمة إشادة من حد من الزملاء أو ثناء على المشروع ومجهودي فيه لكن الانبساط العادي بتاع لما كنت أنجح في امتحان في الثانوي أو -لما تجاوزت سنوات الفشل الأولى- في الكلية.. باتبسط آه، بس معملتش حاجة استثنائية يعني.. ماهو المفروض أذاكر وأنجح.. ده الطبيعي يعني!
لكن النجاح في الدراسة والنجاح في الشغل والنجاح في مشروع أو تاسك.. ده كله بالنسبة لي مسار مش مرتبط بتحقيق ذاتي قوي. ده مسار مرتبط ب "أكل العيش" وتحقيق ذاتي فيه معناه إني أكون قادر أشتغل وأجيب دخل كافي لأسرتي، فلما أكون بادور على فرصة سفر أو وظيفة، مش هيفرق معايا أروح أشتغل مدير -بما يتناسب مع خبرتي- أو في وظيفة غير قيادية، طالما هيكون دخل الوظيفة نفسه مرضي ليا ومناسب لمؤهلاتي وخبرتي. حتى لو كان مديري أصغر مني في السن والخبرة، طالما مؤهل إنه يكون مديري ومايعطلنيش عن أداء دوري..
دي قناعاتي لحد دلوقتي، ومتفهم طبعا الآراء اللي مش موافقة على الرؤية دي واللي بالنسبة لهم التحقق في الوظيفة معنويا وإداريا شيء مهم. واللي بيحرص إنه يأكد في الكارت بتاعه على مؤهلاته ومنصبه وبيعتبر إن ده حقه وكمان ضروري عشان اللي بيتعامل معاه يتعامل معاه بجدية واحترام كافيين لأني قابلت نماذج كتير لو مش عارفة إنت مين بالظبط، بتتعامل معاك أو مع آرائك وأفكارك واقتراحاتك بنوع من الاستهانة، وعلى العكس هتلاقيهم بيوافقوا على كل كلامك لما يعرفوا إنك حاصل على شهادة معينة أو خريج جامعة معينة.. بس أنا برضه معنديش القناعات دي، ورأيي إن الدنيا أبسط من إني أشغل بالي بالكلام ده، ولو فيه واحد مش هيحترم رأيي وأفكاري غير لما أقدم له ال CV يبقى مش مهم يقتنع أو مايقتنعش.. مش هاشغل بالي بيه.
ده بيخليني أحيانا مستغرب جدا من الصراعات اللي بتدور في الشغل -الخاص كمان مش الحكومي بس للأسف- على الاختصاصات ومحاولات السيطرة على مشروعات أو مناصب أو سلطات غير مبررة في إطار التنسيق الوظيفي اللي المفروض يتم، غير بقى الصراعات التانية بتاع الخزوقة والعصافير والمقالب غير البريئة والنفسيات غير السوية اللي بتقلب الشغل من وظيفة ومنتج بنحاول نعمله ونوصل له كلنا، لنسخة تانية من البيت والشارع والقهوة وتلاقي صراعات ومشاكل بقى من نوعية هو كان قصده إيه لما قال لي كذا؟ وإشمعنى فلان يكلم فلان من غير مايقول لي أنا الأول؟ وليه فلانة لبست كذا؟ والكلام اللي لا بيودي ولا يجيب ده كله..
بنتعب بعض ونتخانق ليه يعني؟ لما بيبقى فيه صراع على منصب معين -زي ما كان في مسلسل صيام صيام كده- بيبقى ده مفهوم بالنسبة لي لأنه بيبقى صراع على سلطة ونفوذ و-بالتبعية- دخل مادي أكبر، لكن الكلام الفارغ ده بيحصل عادي من غير أي صراع على المناصب أو على دخل مادي زيادة. ده ساعات كمان بيبقى بين ناس شغلهم مالوش علاقة مباشرة ببعض أصلا..
ف ليه بس يا جماعة؟ ماتخلونا نعدي اليومين اللي لينا في الدنيا على خير وطالما كلنا بناكل عيش، يبقى مانزهقش بعض يعني!
جدير بالذكر -عشان نقفل البوست- إني طبعا ماسافرتش أصلا لأن بعد اتصالي بصديقي ده بفترة قصيرة، جت لي فرصة الشغل في القطاع الخاص وكانت مرضية الحمد لله ولسه مكمل فيها، فما احتاجتش لسه السفر بره..
وربنا يسهل لما نشوف بنتي بقى لما تكبر شوية هتقرر أو هتعوز تسافر -أو نسافر كلنا- وللا لأ..
لأن طموحي أنا لنفسي إني أشوفها مبسوطة ومرتاحة، وبعدها أقرأ لي كتاب أوأتفرج على فيلم وممكن نلعب شوية شطرنج..
فيه حاجة في الدنيا أحلى من كده؟!
No comments:
Post a Comment